الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

339

تفسير روح البيان

بعد التخصيص والغلب جمع أغلب كحمر جمع احمر أو حمراء مستعار من وصف الرقاب يقال الرجل أغلب وأسد أغلب اى غليظ العنق فالمعنى وحدائق عظاما وصف به الحدائق لنكاثفها وكثرة أشجارها أو لأنها ذات أشجار غلاظ فعلى الأول الاستعارة معنوية وعلى الثاني مجاز مرسل فان أريد من غلظ العنق والرقبة مطلق الغلظ بطريق اطلاق المفيد وإرادة المطلق كاطلاق المرسن على الانف واجرى على الحدائق وصفا لها بحال متعلقها وهو الأشجار سمى استعارة بناء على اللغة وفي كشف الاسرار الغلب من الشجر التي لا تثمر كالشمار والأرز والعرعر والدرداء وَفاكِهَةً كثيرة غير ما ذكر والعنب والرمان والرطب من الفواكه عند الإمامين لا عند الأعظم لان العطف يقتضى المغايرة والظاهر أن مراد الأعظم ان نحو العنب والرطب لكونه مما يؤكل غذآء يحقق القصور في معنى التفكه به اى التنعم بعد الطعام وقبله فلا يتناوله اسم الفاكهة على الإطلاق حتى لو حلف لا يأكل فاكهة لا يحنث بأكله لكونه غذآء من وجه وان كان فاكهة من وجه آخر وعطف الفاكهة عليه لا ينافي كونه فاكهة من وجه لان المراد بالفاكهة المعطوفة ما هو فاكهة من كل وجه ولا يخفى ان الفاكهة من كل وجه مغايرة لما هو فاكهة من وجه دون وجه فيصح عطفها عليه أو عطفه عليها كما في مواضع من القرآن وَأَبًّا اى مرعى من أبه إذا أمه اى قصده لأنه يؤم ويقصد جزه للدواب أو من أب لكذا إذا تهيأ له لأنه متهيئ للرعي وأب إلى وطنه إذا نزع اليه نزوعا تهيأ لقصده وكذا أب لسيفه إذ تهيأ لسله وابان ذلك فعلان منه وهو الزمان المتهيئ لفعله ومجيئه أو الأب الفاكهة اليابسة تؤب للشتاء اى تعد وتهيأ وهو الملائم لما قبله وفي الحديث ( خلقتم من سبع ورزقتم من سبع فاسجد واللّه على سبع ) أراد بقوله خلقتم من سبع يعنى من نطقة ثم من علقة إلخ وهي التارات السبع وبقوله رزقتم من سبع قوله حبا وعنبا إلى أبا لعل الحدائق خارجة عن الحساب لأنها منابت تلك المرزوقات وبقوله فاسجدوا على سبع الأعضاء السبعة وهي الوجه واليدان والركبتان والرجلان مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ مفعول له اى فعل ذلك تمتيعا لكم ولمواشيكم فان بعض النعم المعدودة طعام لهم وبعضها علف لدوابهم وللالتفات لتكميل الامتنان وفي الآية إشارة إلى حب المحبة الذاتية وخمير المحبة الصافية المتخذة من عنب الصفات وخمر المحبة الافعالية المتخذة من رطب وزيتون المعرفة ونخل التوحيد العالي من أن يصل اليه كل مدع كذاب وفاكهة الوجدانيات والذوقيات وحدائق الشوق والاشتياق والود والتجريد ونحوها وأب مراعى الشهوات الحيوانية فبعض هذه النعم الشريفة مخصوص بالخواص كالأرواح والاسرار والقلوب وبعضها بالعوام كالنفوس البشرية والقوى الطبيعية العنصرية فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ شروع في بيان أحوال معادهم اثر بيان مبدأ خلقهم ومعاشهم والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما قبلها من فناء النعم عن قريب كما يشعر لفظ المتاع بسرعة زوالها وقرب اضمحلالها وجواب إذا محذوف يدل عليه يوم يفر إلخ اى اشتغل كل أحد ينفسه والصاخة هي الداهية العظيمة التي يصخ لها الخلائق اى يصيخون لها